أبو الليث السمرقندي
487
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
افْتِراءً عَلَيْهِ يعني : اختلاقا وكذبا على اللّه بأنه أمرهم بذلك سَيَجْزِيهِمْ يعني : سيعاقبهم بِما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني : يكذبون على اللّه بأنه أمرهم وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا قال الكلبي يعني : البحيرة والوصيلة حلال لذكورنا ما دامت في الأحياء ، وليس للنساء فيه شركة ولا نصيب . فذلك قوله : وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً يعني : من هذه الأنعام فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ يعني : الرجال والنساء في أكلها . وقال الضحاك : كانت الناقة إذا ولدت فصيلا ذكرا حرموا لحم الفصيل ولبن الناقة على النساء دون الرجال ، وإن وضعت فصيلا ميتا اشتركت الرجال والنساء في لحم الفصيل ولبن الناقة . ذكر في أول الكلام خالِصَةٌ لفظ التأنيث ، لأنه انصرف إلى المعنى ، ومعناه : حمله ما في بطون هذه الأنعام . ثم قال وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ذكر بلفظ التذكير ، لأنّه انصرف إلى قوله : ما فِي بُطُونِ قرأ عاصم في رواية أبي بكر وإن تكن بالتاء على معنى التأنيث مَيْتَةً بالنصب يعني : وإن تكن الجماعة ميتة صارت الميتة خبر كان . وقرأ ابن عامر وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً بالضم يعني : وإن كانت ميتة جعلها اسم كان رفعا وقرأ ابن كثير وَإِنْ يَكُنْ بالياء مَيْتَةً بالضم يعني وإن : كان ما فيه ميتة بلفظ التذكير وجعل الميتة اسم كان . وقرأ الباقون وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً جعلوا الميتة خبر كان بلفظ التذكير . ثم قال : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ صار نصبا لنزع الخافض يعني : سيعاقبهم بكذبهم إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عليهم بالعذاب عَلِيمٌ بهم . وفي الآية دليل أن العالم ينبغي أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به حتى يعلم فساد قوله ، ويعلم كيف يرد عليه لأن اللّه تعالى أعلم النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه قول من خالفهم في زمانهم ، ليعرفوا فساد قولهم . قوله تعالى : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ يعنوا : دفنوا بناتهم أحياء وقتلوهن سَفَهاً صار نصبا لنزع الخافض يعني : جهلا منهم بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني : بغير حجة منهم في قتلهن وهم ربيعة ومضر كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية . وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن رجلا من أصحابه كان لا يزال مغتما بين يديه فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ما لك تكن محزونا » ؟ فقال : يا رسول اللّه إني قد أذنبت في الجاهلية ذنبا ، فأخاف أن لا يغفر لي وإني أسلمت فقال له : « أخبرني عن ذنبك » فقال : يا رسول اللّه : إني كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لي بنت ، فتشفعت إليّ امرأتي بأن أتركها فتركتها حتى كبرت ، وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها ، فدخلت عليّ الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج . فقلت للمرأة : إني أريد أن أذهب بها إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزيّنتها بالثياب والحلي ، وأخذت عليّ المواثيق بأن لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر ، فنظرت إلى البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر ، فالتزمت بي وجعلت تبكي